صديق الحسيني القنوجي البخاري

251

فتح البيان في مقاصد القرآن

وحكى ابن جرير في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية أعني آية المحاربة نسخت فعل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في العرنيين ، ووقف الأمر على هذه الحدود . وروي عن محمد بن سيرين أنه قال : كان هذا قبل أن ينزل الحدود يعني فعله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالعرنيين ، وبهذا قال جماعة من أهل العلم ، وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله صلى اللّه عليه وسلم بالعرنيين منسوخ بنهي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن المثلة ، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ . والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره ممن ارتكب ما تضمنته ولا اعتبار بخصوص السبب بل الاعتبار بعموم اللفظ . قال القرطبي في تفسيره : ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مرتب على المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود انتهى . ومعنى قوله مرتب أي ثابت ، قيل المراد بمحاربة اللّه المذكورة في الآية هي محاربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس ، لأن ورود النص ليس بطريق المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر . وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة للّه ولرسوله إكبارا لحربهم وتعظيما لأذّيتهم ، لأن اللّه سبحانه لا يحارب ولا يغالب ، والأولى أن تفسر محاربة اللّه سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه . ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي وحكم أمته حكمه وهم أسوته . وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بحمل السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق ، والسعي فيها فسادا يطلق على أنواع من الشرك كما قدمنا قريبا ، وانتصاب فسادا على المصدرية أو على أنه مفعول له أي للفساد أو على الحال بالتأويل أي مفسدين . وقال ابن كثير في تفسيره : قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب أن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض ، وقد قال تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] انتهى . وإذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض فسادا فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك ، سواء كان مسلما أو كافرا ، في مصر أو غير ، في قليل وكثير وجليل وحقير ، وأن حكم اللّه في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض . ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب بل من كان ذنبه هو